الشيخ محمد الصادقي الطهراني
48
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
معدودة ، لعبة العزيز وامرأته ، وإنما أنت « لدينا اليوم مكين » ذو مكانة عالية مرموقة ، ولا أنت المهدَّد بالسجن أو عذاب اليم ، وإنما أنت « لدينا اليوم امين » ، وتراه في ملتقاه مع الملك أخذ يتملق له بقولة أو فعلة كما يفعله رجال الحاشية ؟ كلا ولا في شطر كلمة ، فالنص « فلما كلمه » فالملك هو البادىء بالكلام اللهم إلا بسلام والسلام ، وفي ذلك الكلام الملكي الهام : « إنك اليوم لدينا مكين أمين » نرى كل مراتب العزة والإكرام ، دون ألفاظ مرسومة خاوية في المواجهات العادية ، وإنما كلام مكين أمين ، حيث الملك ليس ليهاب أحداً أو يماريه حي يجاريه في كلمة خاوية المُرام . هنا مثلث التأكيد للمكانة والأمانة ، المستفاد من حرف التأكيد وتقدم الظرفين ، يؤكد له المكانة والأمانة الخاصة المتميزة ، والسلطة الصالحة لإدارة أمور المملكة وهي بحاجة جذرية ماسة إلى تلك المكانة والأمانة ، ولا سيما في تلك الظروف الحرجة المهرجة ، وفي الحق يلمح من كلامه هذا حكم صدارته العليا بعده . « قال اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظٌ عليم » . « 1 » « إني حفيظ » لشتات الأمور ومتفرقاتها لأجمع شملها ، ولمجموعاتها عن تمزقها وشتاتها ، حفيظ للمعادلة الاقتصادية في السبعين الرخوة والشداد ، حفيظ في كلما تحتاجه خزائن الأرض من صالح الإنماء والمصرف ، فالحفيظ على الحرمات والنواميس في تلك الظروف المحرجة ، هو بأحرى حفيظ على المصالح الاقتصادية ! . « إني حفيظ عليم » فمن حفيظ غير عليم ، يحاول في الحفظ ولكنه لا يعلم ، فقد يكون ما يفسده على جهله أكثر مما يصلحه كصُدفة ، ومن عليم غير حفيظ ، يعلم ويخالف علمه إلى جهالة ، أم لا يحافظ على المصلحة الجماعية ، إذ لا يلاحظ إلّا شخصه وشخصيته وصالحه ، ولكني « حفيظ عليم » كركنين أساسيين لمن يجعل على خزائن الأرض . وتراه لماذا يتطلب إلى الملك ذلك المنصب دون أن يصبر حتى ينصبه هو كما يراه ؟
--> ( 1 ) . 12 : 55